القرطبي
112
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كذا نسبه الماوردي لذي الرمة ، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال : المخيس اسم سجن كان بالعراق ، أي موضع التذلل ، وقال ( 1 ) . أما تراني كيسا مكيسا * بنيت بعد نافع مخيسا ووحد اليمين في قوله : " عن اليمين " وجمع الشمال ، لان معنى اليمين وإن كان واحدا الجمع . ولو قال ( 2 ) : عن الايمان والشمائل ، واليمين والشمال ، أو اليمين والشمال لجاز ، لان المعنى للكثرة . وأيضا فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شئ واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى ، كقوله تعالى : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ( 3 ) " وكقوله تعالى : " ويخرجهم من الظلمات إلى النور ( 4 ) ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز . ويجوز أن يكون رد اليمين على لفظ " ما " والشمال على معناه . ومثل هذا في الكلام كثير . قال الشاعر : الواردون وتيم في ذرأ سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس ( 5 ) ولم يقل جلود . وقيل : وحد اليمين لام الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط الظل عن اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم حالات ( 6 ) ، فسماها شمائل . قوله تعالى : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملكة وهو لا يستكبرون ( 49 ) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ( 50 ) قوله تعالى : " ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ) أي من كل ما يدب على الأرض . ( والملائكة ) يعنى الملائكة الذين في الأرض ، وإنما أفردهم بالذكر لاختصاصهم
--> ( 1 ) القائل هو سيدنا علي رضي الله عنه . ونافع : سجن بالكوفة كان غير مستوثق البناء وكان من قصب ، وكان المحبوسون يهربون منه . وقيل : إنه نقب وأفلت منه المحبوسون ، فهدمه علي رضي الله عنه وبنى المخيس لهم من مدر . ( 2 ) أي قائل في غير القرآن . ( 3 ) راجع ج 1 ص 189 . ( 4 ) راجع ج 6 ص 117 . ( 5 ) البيت لجرير . ورواية ديوانه : تدعوك تيم وتيم في قرئ سبأ * . . . الخ ( 6 ) هكذا وردت هذه الجملة في الأصول . ولعل صوابها : لان الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط الظل عن اليمين في حال ، ثم يميل إلى جهة الشمال في حالات ، فسماها شمائل . والذي في البحر لأبي حيان : " وقيل : وحد اليمين وجمع الشمائل لان الابتداء عن اليمين ، ثم ينقبض شيئا فشيئا حالا بعد حال ، فهو بمعنى الجمع ، فصدق على كل حال لفظة الشمال فتعدد تعدد الحالات " .